حبيب الله الهاشمي الخوئي

103

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

صدقه عليه السّلام بإحالة المشيرين عليه إحالة معاينة وبإشارة حضوريّة إلى كثرة المجلبين وشدّتهم فقال عليه السّلام : ( وها هم هؤلاء قد ثارت ) وهاجت ( معهم عبدانكم والتفّت ) وانضمّت ( إليهم أعرابكم وهم خلالكم ) أي بينكم غير متباعدين عنكم ( يسومونكم ما شاؤوا ) كيف شاؤوا ليس لهم رادع ولا دافع ( وهل ترون ) والحال هذه ( موضعا لقدرة على شيء تريدونه ) . ثمّ قال : ( إنّ هذا الأمر ) أي أمر المجلبين ( أمر جاهليّة ) لأنّ قتلهم لعثمان كان عن عصبيّة وحميّة لا لطاعة أمر اللَّه وإن كان في الواقع مطابقا له . ويمكن أن يكون المراد به أنّ ما تريدون من معاقبة القوم أمر جاهليّة نشأ عن تعصّبكم وحميّتكم وأغراضكم الباطلة وفيه إثارة للفتنة ، وتهييج للشرّ ، لكنّ الأوّل أنسب بسياق الكلام إذ غرضه من إيراد تلك الوجوه إسكات الخصم وعدم تقوية شبه المخالفين الطالبين لدم عثمان . وأكَّد تأكيد تضعيف رأيهم بقوله ( وإنّ لهؤلاء القوم مادّة ) أي مددا ومعينين و ( إنّ النّاس من هذا الأمر إذا حرّك ) عن موضعه وأريد معاقبة المجلبين ( على أمور ) ثلاثة أشار إليها بقوله ( فرقة منهم ترى ما ترون ) ويحكمون بحسن العقاب ( وفرقة ترى ما لا ترون ) وتزعم أنّ في العقاب عدولا عن الصّواب ( وفرقة ) ثالثة ( لا ترى هذا ولا هذا ) ولا يحكمون فيه بصواب ولا خطاء . ولما بيّن اختلاف الآراء وتشتّت الأهواء في التخطئة والتصويب وكان الاقتصاص والانتقام مع وجود هذا الاختلاف مظنّة فتنة أخرى كالأولى بل وأعظم منها وكان الأصوب في التدبير والَّذي يوجبه العقل والشرع الصبر وإمساك النكير إلى حين سكون الفتنة ، وتفرّق تلك الشعوب من المدينة ، لا جرم أمرهم بالصّبر فقال : ( فاصبروا حتّى يهدأ الناس ) ويسكنوا ( وتقع القلوب مواقعها ) وتؤوب إلى الناس أحلامهم ( وتؤخذ الحقوق مسمحة ) منقادة بسهولة ( فاهدؤا ) متفرّقين ( عنّى وانظروا ما ذا يأتيكم به أمرى ) ولا تستعجلوه ولا تسرعوا ( ولا تفعلوا فعلة ) أي نوع فعل ( تضعضع ) وتهدم ( قوّة وتسقط منّة وتورث وهنا وذلَّة ) فانّ الأمور مرهونة بأوقاتها ومجتنى